محمد الريشهري
1927
ميزان الحكمة
وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ( 1 ) ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن قال : " فيم ؟ " فقد ضمنه ، ومن قال : " علام ؟ " فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شئ لا بمقارنة ، وغير كل شئ لا بمزايلة ، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده ( 2 ) . - عنه ( عليه السلام ) : الحمد لله الذي بطن خفيات الأمور ، ودلت ( ذلت خ ل ) عليه أعلام الظهور ، وامتنع على عين البصير ، فلا عين من لم يره تنكره ، ولا قلب من أثبته يبصره ، سبق في العلو فلا شئ أعلى منه ، وقرب في الدنو فلا شئ أقرب منه ، فلا استعلاؤه باعده عن شئ من خلقه ، ولا قربه ساواهم في المكان به ، لم يطلع العقول على تحديد صفته ، ولم يحجبها عن واجب معرفته ، فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود ، تعالى الله عما يقوله المشبهون ( المشتبهون ) به والجاحدون له علوا كبيرا ( 3 ) . - عنه ( عليه السلام ) : الحمد لله الذي أعدم الأوهام أن تنال إلى وجوده ، وحجب العقول أن تختال ذاته ، لامتناعها من الشبه والتشاكل ، بل هو الذي لا تتفاوت ذاته ، ولا تتبعض بتجزية العدد في كماله ، فارق الأشياء لا باختلاف الأماكن ، ويكون فيها لا على الممازجة ، وعلمها لا بأداة لا يكون العلم إلا بها ، وليس بينه وبين معلومه علم غيره كان عالما لمعلومه ، إن قيل : كان ، فعلى تأويل أزلية الوجود ، وإن قيل : لم يزل فعلى تأويل نفي العدم ( 4 ) . ( انظر ) البحار : 77 / 381 . - عنه ( عليه السلام ) : ما وحده من كيفه ، ولا حقيقته أصاب من مثله ، ولا إياه عنى من شبهه ، ولا صمده من أشار إليه وتوهمه ، كل معروف بنفسه مصنوع ، وكل قائم في سواه معلول ، فاعل لا باضطراب آلة ، مقدر لا بجول فكرة ، غني لا باستفادة ، لا تصحبه الأوقات ولا ترفده الأدوات . . . الذي لا يحول ولا يزول ، ولا يجوز عليه الأفول . . . لا تناله الأوهام فتقدره ، ولا تتوهمه الفطن فتصوره ، ولا تدركه الحواس فتحسه ، ولا تلمسه الأيدي فتمسه ، ولا يتغير بحال ، ولا يتبدل في الأحوال ، ولا تبليه الليالي والأيام ، ولا يغيره الضياء والظلام ، ولا يوصف
--> ( 1 ) هذه الجملة ليست في غير واحد من النسخ المخطوطة العتيقة ولا في شرحي ابن ميثم وابن أبي الحديد والظاهر أنها زيادة من النساخ " المحشي " . ( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة 1 . ( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة 49 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 3 / 216 . ( 4 ) البحار : 77 / 280 / 1 ، انظر تمام الحديث .